الجاحظ
62
كتاب البغال
ثم أتاه بعد أيّام ، فقال : رأيت فيما يرى النائم كأنّ معي درهما بخيّا . قال : لست تمسي حتى تضرب ضربا وجيعا ! فكان كذلك . فسأله عن العلّة ، فقال : الدرهم البغليّ مكتوب عليه بالفارسيّة : « خش بخر » ترجمة هذه الكلمة : « كل طيّبا » . والدّرهم البخيّ مكتوب عليه : « ضرب هذا الدرهم » . وهما مختلفان . وأنشد الحكم بن عبدل أسماء بن خارجة شعرا ذكر [ فيه ] أنه رآه في المنام ، فقال : أغفيت قبل الصّبح نوم مسهّد * في ساعة ما كنت قبل أنامها فرأيت أنّك رعتني بوليدة * مغنوجة حسن عليّ قيامها وببدرة حملت إليّ وبغلة * شهباء ناجية يصلّ لجامها فدعوت ربّي أن يثيبك جنّة * عوضا يصيبك بردها وسلامها قال أسماء : كلّ ما رأيته في النوم فهو عندنا كما رأيت ، إلّا البغلة فإنّها دهماء ! قال : أعتق ما أملك إن كان رآها إلّا دهماء ، ولكنّه غلط . ومما اشتقّ من اسم البغل : « الدرهم البغليّ » . وفي بني تغلب « رأس البغل » وهو رئيس من رؤسائهم ، وهو الذي كان إبراهيم بن هانئ الخليع نسب إليه . وإذا كان الإنسان عظيم الرأس لقّبوه : « رأس البغل » . والبغلات : جوار من رقيق مصر ، نتاج ما بين الصّقالبة وجنس آخر ، والواحدة منهنّ يقال لها : « بغلة » ، ولهنّ أبدان ووثارة وحدارة « 1 » .
--> ( 1 ) الوثارة : السمن وكثرة الشحم . والحدارة ، بالحاء المهملة : الامتلاء باللحم والشحم ، يقال حدر يحدر حدارة .